رواية قلوب معلقة بقلم اسماء ندا الفصل الرابع

لمحة نيوز

كابن رجل ثري بل كإنسان يحب ويحب.
لم يكن الطريق مفروشا بالورود كما تخيلت ليلى في تلك الليلة التي سمحت فيها لقلبها أن ينفتح من جديد. فما أن بدأت تظهر ملامح قربها من ابن الثري الراحل حتى تحول المستشفى الذي كان بيتها الثاني إلى مسرح للهمسات والنظرات المليئة بالريبة.
في الممرات كانت الممرضات يتبادلن الأحاديث بصوت منخفض لكن يكفي أن تمر ليلى حتى يخفت الصوت فجأة وتلقى عليها نظرات مليئة بالشك.
هي دي البنت اللي ورثت الرجل العجوز بحيلة
أكيد اتقربت منه عشان الفلوس.
وهو... واضح إنه اتورط معاها غلابة البنت عرفت تصطاده.
لم تكن ليلى بحاجة لأن تسمع الكلمات كاملة فقد اعتادت قراءة ما بين السطور في عيون الناس منذ طفولتها. لكن هذه المرة كان الأمر موجعا أكثر لأنها قضت عمرها كله تحارب لتثبت نفسها وها هي اليوم تتهم بما لم تفكر فيه يوما.
حتى بعض الأطباء الذين طالما احترموها صاروا يعاملونها ببرود. لم يعودوا يستشيرونها كما من قبل ولم يعودوا يلقون تحية الصباح إلا على عجل. شعرت فجأة أن الأرض التي بنت عليها عالمها بدأت تهتز.
أما هو فقد واجه جانبا آخر من المجتمع. بعض أصدقائه القدامى كانوا يسخرون منه علنا
ابن الثري يتزوج ممرضة فقيرة أهذا ما أوصى به والدك
أي عار تلحقه باسم عائلتك
لو كان والدك حيا ورآك الآن...!
في البداية حاول أن يتجاهل. كان يرد بابتسامة ساخرة أو يغير الموضوع. لكن مع مرور الأيام أصبح الغضب يتراكم داخله. لم يعد يحتمل أن يرى من يحب تهان بسببه.
وذات يوم انفجر الموقف في وجههما معا. كانا يسيران في السوق الشعبي حيث اعتادت ليلى شراء بعض حاجات المستشفى من موردين تعرفهم منذ سنوات. وفجأة تقدمت امرأة مسنة من الباعة وحدجت ليلى بنظرة قاسية وقالت بصوت عال ليسمع الجميع
أمثالك يسرقن قلوب الرجال المسنين ثم يسرقن أموالهم. عيب عليك! كنت بنت غلبانة إيه اللي غيرك
تجمدت ليلى في مكانها ارتجفت يداها ولم تستطع الرد. شعرت وكأن السنين كلها كدها وتعبها ودموعها انهارت في لحظة.
لكن قبل أن تنطق تقدم هو بخطوات غاضبة ورفع صوته قائلا
كفى! أنتم لا تعرفون شيئا عن الحقيقة. هذه الفتاة أنقى وأشرف من أن تتهموها بهذه الأكاذيب. لو عرفتم نصف ما فعلته لأبي في أيامه الأخيرة لكنتم رفعتموها على رؤوسكم بدلا من الطعن فيها.
ساد صمت ثقيل ثم بدأ بعض الناس يتمتمون بينما ظلت عيون كثيرة تراقب المشهد بفضول. أما ليلى فكانت دموعها تسيل رغما عنها ليس من الإهانة فقط بل من دفاعه العلني عنها. لم يتوقع أحد أن ابن الثري سيقف في وجه الناس بهذه الطريقة.
حين عادوا إلى المستشفى جلست في غرفتها وهي تبكي بصمت. اقترب منها وقال
ليلى لا تبكي. سيصمتون في النهاية.
رفعت رأسها بعينين محمرتين وقالت لكنك لا تفهم... كلامهم يجرحني أكثر من أي شيء. لقد عملت كل حياتي لأحافظ على سمعتي والآن كأن كل شيء ينهار.
أمسك بيديها وقال بحزم إذن لن نسمح لهم أن يهدموا ما بنيناه. لو كان علي أن أواجه العالم كله لأجلك سأفعل.
لكن الرفض لم يتوقف عند الناس في الشارع أو زملائها في العمل. حتى عائلته نفسها لم تتقبل الأمر. ذات ليلة دعته أخته الكبرى إلى منزلها بحجة مناقشة بعض الأمور. وحين ذهب وجدها تنتظره بوجه متجهم وقالت له
هل جننت! ستلوث اسم العائلة كله من أجل فتاة جاءت من لا شيء
أختي هي ليست كما تظنين.
بل هي كذلك! فتاة استغلت طيبة والدك لتضع يدها على ثروته والآن تخدعك أنت أيضا. ألا ترى الناس كلها تقول ذلك.
كان النقاش عنيفا كاد يمزق قلبه. لكنه في النهاية صرخ في وجهها كفى! هذه حياتي أنا وليست حياتكم. وإذا كان أبي قد اختارها فأنا أختارها أيضا لا لأجل الوصية بل لأني أحبها بحق.
خرج من بيت أخته وهو يرتجف لكنه شعر للمرة الأولى أنه اتخذ قراره بلا رجعة.
في تلك الأثناء كانت ليلى تعيش صراعا داخليا. جزء منها يريد الهروب بعيدا عن هذا الجحيم الذي صار يطاردها والجزء الآخر لا يستطيع أن يتخلى عن الرجل الذي صار يملأ قلبها. وفي ليال
كثيرة كانت تسأل نفسها هل الحب يستحق كل هذا الألم
لكنها كلما تذكرت دفاعه عنها لم تجد قلبها قادرا على الرحيل.
كان المجتمع مثل جدار شاهق يقف أمامهما لكن كل جدار يبنى ليهدم يوما ما. وما لم يدركه الجميع بعد هو أن تلك الفتاة البسيطة التي باعت الورود يوما في الطرقات صارت الآن تحمل في قلبها قوة كافية لتزهر من جديد رغم كل العواصف.

تم نسخ الرابط