رواية قلوب معلقة بقلم اسماء ندا الفصل الرابع
الفصل الرابع استسلام القلب
لم يكن من السهل على ليلى أن تسامح. فالماضي كان مثل ندبة على صدرها حتى لو خفت أوجاعها أحيانا إلا أنها لم تختف تماما. كانت كل ليلة تستعيد تلك اللحظة حين علمت بخداعه فتشعر وكأن قلبها ينكمش خوفا من أن يلدغ مرة أخرى. لكن في الوقت نفسه كانت تراه يتغير أمامها يوما بعد يوم حتى صارت حيرتها أكبر من قدرتها على الاحتمال.
كانت تراقبه في المستشفى وهو يعمل كأنه أحد الممرضين. لم يكتف بالتبرعات أو التمثيل أمامها بل صار يقضي ساعات طويلة بين المرضى. يجلس بجوار كبار السن يقرأ لهم الجرائد ويمازحهم وكأنهم جزء من عائلته. يساعد الممرضات في حمل المعدات الثقيلة ويتعلم كيف يربط ضمادة أو يبدل محلولا. كان يتعرق يتعب لكنه لم يشتك.
أحيانا كانت تراه يخرج من المستشفى بعد منتصف الليل منهكا فيجلس على الرصيف قليلا ليلتقط أنفاسه. لم يكن يعلم أنها تراقبه من نافذة مكتبها وأنها كانت تحس بشيء غريب ينهش قلبها وهي تراه يتألم ويتحمل بصمت.
وذات مساء بينما كانت تكتب ملاحظات طبية دخل بخطوات مترددة. لم يحمل ورودا هذه المرة ولا هدية. فقط نفسه المرهقة. جلس على الكرسي المقابل لها وقال
ليلى هل تعلمين أحيانا أشعر أنني ولدت من جديد. كأنني لم أعرف الحياة من قبل.
رفعت رأسها مترددة وسألته وما الذي تغير
أجاب بابتسامة متعبة أنت. لقد كنت مرآة جعلتني أرى قبح نفسي ثم أمل أن أكون أفضل.
صمتت طويلا تائهة بين رغبتها في التصديق وخوفها من السقوط مجددا.
فقال لها بصوت خافت أقسم لك لم أعرف يوما معنى الحب قبل أن أعرفك. ما فعلته معك في البداية كان خطيئة... لكن الآن لو خيرت بينك وبين كل ميراث الأرض سأختارك أنت دون تردد.
أحست بشيء يذوب في داخلها. كلمات كثيرة سمعتها من رجال من قبل لكنها لم تلمس قلبها مثل هذه الكلمات. ربما لأنها جاءت بعد أفعال كثيرة وربما لأنها رأت دموعا لم يحاول أن يخفيها وهو يقولها.
مرت أيام تالية ثقيلة تحمل في طياتها اختبارا لقلبها. وفي أحد تلك الأيام مرض طفل صغير كان يقضي جلساته في جناح القلب الجديد. كان الطفل يئن من الألم وأمه تبكي بجواره. دخل هو فجأة إلى الغرفة وجلس على حافة السرير وأمسك بيد الصغير. أخذ يحكي له قصة عن فارس مغوار يواجه تنينا شرسا لينقذ قرية صغيرة. وبينما كان يسرد الأحداث بصوت مفعم بالحماس كان الطفل يبتسم وسط دموعه وكأن الألم تلاشى لبعض الوقت.
كانت ليلى تراقب المشهد من الباب. دمعة ساخنة سالت على وجهها ليس فقط تعاطفا مع الطفل بل لأنها رأت في عيني ذلك الرجل صدقا لم يعد بإمكانها إنكاره. لقد تغير بالفعل.
تقدمت بخطوات بطيئة إلى الداخل وقفت بجانبه وهمست لم أرك يوما بهذا الشكل.
ابتسم لها وقال ربما لأنني لم أكن بهذا الشكل من قبل.
في تلك اللحظة شعرت أن قلبها الذي قاوم طويلا قد بدأ يتخلى عن عناده. لم تعد قادرة على إخفاء ارتجاف صوتها حين قالت أخاف... أخاف أن أصدقك ثم أندم.
اقترب منها أكثر وصوته يرتجف بصدق إذن دعيني أنا من يخاف أن يخسرك ولن أسمح بحدوث ذلك.
ارتجف قلبها وكأن جدارها الصلب قد تشقق حتى آخره. ولأول مرة لم تحاول أن تهرب من مشاعرها. تركت نفسها تبتسم ابتسامة صغيرة لكنها صافية.
نظر إليها مطولا وكأن العالم كله اختصر في تلك اللحظة ثم قال همسا ليلى... هل يمكن أن أعتبرها بداية جديدة
أطرقت برأسها بخجل ودموعها لمعت في عينيها ثم قالت ربما... نعم ربما حان الوقت لأمنح نفسي فرصة.
ذلك المساء خرجا معا من المستشفى لأول مرة. لم يكن هناك عشاء فاخر أو سيارات فارهة فقط مقعد خشبي في الحديقة العامة. جلسا جنبا إلى جنب يتحدثان بلا قيود يضحكان من أشياء صغيرة ويصمتان حين يتلاقى نظرهما. كان صمتا مليئا بكلمات لم تقال بعد لكنه أجمل من أي كلام.
ليلى التي عاشت طفولتها تبيع الورود جلست الآن تحت شجرة ووجدت أن قلبها قد أزهر أخيرا بعد سنوات من الوحدة والخوف. أما هو فقد شعر أن ثقلا هائلا أزيح عن صدره وأنه ولد حقا من جديد ليس