رواية قلوب معلقة بقلم اسماء ندا الفصل الاول

لمحة نيوز

 

بداية فصل جديد في حياتها الطفلة التي باعت الورد لتتعلم أصبحت الممرضة التي تزرع الأمل.
وفي أول يوم لها كممرضة رسمية أخبروها أن هناك مريضا مهما يحتاج إلى رعاية خاصة. رجل مسن غني لكنه وحيد لا يزوره سوى ابنه من حين لآخر. قالوا إن حياته قصيرة لكن ليلى لم تر فيه سوى إنسان يحتاج إلى قلب بجانبه. اقتربت من سريره بابتسامتها المعتادة ولم تكن تعلم أن تلك اللحظة ستغير مصيرها إلى الأبد.
دخلت ليلى غرفة المريض الذي قيل لها إنه من المرضى المهمين. كان شيخا تجاوز السبعين وجهه شاحب لكن ملامحه تحمل وقار السنين. على الطاولة بجوار سريره رصت أدوية كثيرة وجهاز القلب يصدر رنينا ثابتا كنبض ضعيف يحاول التشبث بالحياة.
اقتربت بخطوات هادئة تحمل دفتر الملاحظات لتسجل حالته. وعندما رفعت عينيها قابلتها نظرة باهتة لكنها دافئة نظرة رجل أنهكته الوحدة أكثر مما أنهكه المرض. ابتسمت قائلة
صباح الخير يا عمي كيف حالك اليوم
أجاب بصوت مبحوح الحال كما ترين... لكن وجودك هنا يجعل الأمر أهون.
لم تكن تلك الجملة عابرة فقد اعتاد الرجل أن يقضي أيامه محاطا بالغرباء أطباء مشغولون وممرضون يمرون بسرعة بينما ابنه لا يأتي إلا بعد أسابيع طويلة. لكن في تلك الممرضة الصغيرة التي تناديه عمي وجد شيئا لم يجده منذ زمن بعيد دفء يشبه دفء البيت.
مع مرور الأيام أصبحت ليلى هي الأقرب إلى قلبه. كانت تجلس بجانبه بعد انتهاء جولتها تحكي له عن طفولتها البسيطة وبيعها للورد وعن أحلامها الصغيرة. كان يستمع إليها بعينين دامعتين أحيانا ويقول لها لو كان لي ابنة لتمنيت أن تكون مثلك.
كانت تهتم به كما تهتم بابنها بوالده. تطعمه بيدها أحيانا وتقرأ له بعض السور القصيرة من القرآن حين يطلب منها وتبتسم في وجهه حتى في أحلك لحظات تعبه. لم يكن بالنسبة لها مجرد مريض بل صار أشبه بوالد لم تعرفه طويلا أو جد حنون يملأ فراغا في حياتها.
أما هو فقد وجد فيها تعويضا عن قسوة السنين. كان غنيا نعم لكن ثروته لم تشتر له السعادة. بيته الكبير خاو وزيارات ابنه القليلة كانت واجبا أكثر . كلما تأمل ليلى ازداد يقينا أن قلبها أنقى من الذهب الذي ملأ خزائنه.
وذات مساء بينما كانت تبدل له الضمادات قال لها
ليلى... إن رحلت يوما لا تحزني علي.
أجابت باندهاش لا تقل ذلك يا عمي ستتعافى إن شاء الله.
ابتسم ابتسامة هادئة وقال القلوب حين تتعب لا تصلحها الأموال لكن يكفيني أن أرحل وقد رأيت في عينيك نورا يعيد لي الإيمان بالخير.
لم تفهم تماما ما قصده لكنها شعرت أن كلامه كان وصية مبطنة.
بعد أسابيع قليلة تدهورت حالته فجأة. نقل إلى غرفة العناية وكانت ليلى ترافقه في كل لحظة وتهمس له بالدعاء. في الساعات الأخيرة كأنه يتعلق بها أكثر من تعلقه بالحياة. قال لها بصوت متقطع
لا تنسي... أنت هديتي للعالم... حافظي على قلبك يا ابنتي.
ثم أسلم الروح.
وقفت ليلى أمام مرقده البارد ودموعها تنهمر بصمت. شعرت وكأنها فقدت والدها للمرة الثانية. وفي أروقة المستشفى المزدحمة بدت وحيدة أكثر من أي وقت مضى.
لكن المفاجأة لم تكن في رحيله وحده بل فيما تركه خلفه. بعد أيام قليلة اجتمع ابنه الوحيد مع محامي العائلة لقراءة الوصية. جلس الابن ببرود متأكدا أن كل شيء سيؤول إليه في النهاية. لكنه ما إن استمع إلى الكلمات الأولى حتى شحب وجهه.
الوصية كانت صادمة إن لم يتزوج ابني من الممرضة ليلى تحول جميع أموالي وممتلكاتي إلى مستشفى أمراض القلب.
ساد صمت ثقيل كأن الجدران نفسها ذهلت. أما الابن فقد اشتعل غضبا داخليا لكنه أخفاه خلف ابتسامة مصطنعة. لم يكن يطيق فكرة أن تضيع ثروته كلها ولا أن يتزوج فتاة فقيرة لا يعرف عنها شيئا سوى أنها ممرضة بائسة كما ظن في البداية.
لكن الظروف أجبرته على التفكير بطريقة مختلفة. عليه أن يقترب منها أن يقنعها بحب لم يولد بعد وما لم يدركه حينها أن قلبه سيتغير شيئا فشيئا وأن الطيبة التي رآها والده في ليلى ستغزو روحه هو الآخر.
كان ذلك اليوم بداية فصل جديد فصل لن تكون فيه ليلى مجرد ممرضة... بل قدرا يغير مجرى حياتين.

تم نسخ الرابط