رواية قلوب معلقة بقلم اسماء ندا الفصل الاول

لمحة نيوز

الفصل الأول
طفلة تحمل عبق الورد في قرية صغيرة تحيطها الحقول الخضراء ولدت ليلى لأسرة بسيطة لم تملك من الدنيا سوى قلب مليء بالحب والرضا. كان والدها يعمل في الحقول بأجر زهيد بينما والدتها تساعد الجيران في بعض الأعمال البسيطة مقابل القليل من النقود أو الطعام. منذ نعومة أظافرها أدركت ليلى أن الحياة لن تمنحها ما تريد بسهولة فكانت ترى الأطفال يذهبون إلى المدرسة بأكياسهم الملونة بينما هي تحمل سلة صغيرة مليئة بالورد لتبيعه في شوارع البلدة.
لم يكن الورد فاخرا بل بسيطا بألوان متواضعة لكن براءة عينيها كانت تمنحه بريقا خاصا. كثيرون كانوا يشترونه منها لا لجماله فقط بل لابتسامتها التي تشع أملا. ذات صباح وقفت ليلى أمام باب المدرسة تتأمل الأطفال الداخلين تتمنى أن تكون واحدة منهم تحمل كتبا بدلا من سلة الورد. لمحتها مدرسة فاقتربت منها وسألتها بابتسامة دافئة أتحبين الدراسة يا صغيرة هزت ليلى رأسها بحماس وكأنها تخشى أن تضيع الفرصة.
في اليوم التالي حدثت المدرسة والدتها قائلة ابنتك ذكية دعوها تدخل المدرسة. لكن الأم تنهدت بألم وأجابت لا نستطيع دفع المصاريف. عندها تطوعت ليلى أن تتحمل المسؤولية وقالت بصوت فيه قوة تفوق عمرها سأبيع الورد أكثر وأدفع بنفسي. ومنذ ذلك اليوم بدأت رحلتها المزدوجة الطفلة البائعة والطالبة الصغيرة.
كانت كل صباح تضع باقات صغيرة في سلتها تقف عند إشارات المرور أو أمام المتاجر تمد يدها بابتسامة وتقول ورد طازج يفرح القلب. كثيرون كانوا يشترونه بدافع الشفقة لكنها لم تهتم المهم أن تجمع ثمن الكتب والدفاتر. وفي المساء رغم تعبها كانت تعود لتفتح كتابها الأول. رائحة الورق بالنسبة لها كانت أعطر من كل الورود.
كبرت ليلى عاما بعد عام وهي تتقن القراءة والكتابة ومع كل عام دراسي كانت ساعات بيعها للورد تزداد لكنها لم تفكر يوما في التخلي عن التعليم. كان أصدقاؤها في المدرسة يحكون عن الألعاب والرحلات بينما لم تعرف هي سوى الشوارع وضجيج المارة وبرد الشتاء. في الليالي الباردة كانت أصابعها تتجمد وهي تحمل الورد لكنها كانت تهمس لنفسها سأصبر غدا سأكون شيئا آخر.
أحيانا كان الناس يسخرون منها أو يتجاهلونها وأحيانا يضعون النقود في يدها بصمت ويمضون. وذات يوم أعطاها رجل مسن وردة بدل النقود وقال لها احتفظي بها لنفسك أنت أجمل من أن تبيعي كل شيء. احتفظت بتلك الوردة في كتابها الأول كذكرى لا تنسى وكلما تعبت كانت تنظر إليها وتتذكر أن هناك من يراها مختلفة.
الحياة لم تكن سهلة لكن قلبها ظل ممتلئا بالأمل. كانت والدتها تدعو لها كل صباح الله يفتح لك أبواب الخير يا بنتي. وكان ذلك الدعاء يرافقها كظلها في كل طريق. أحبها معلموها في المدرسة لاجتهادها وأدهشهم ذكاؤها وسرعة فهمها حتى أصبحت من أوائل الصف. نجاحها كان يمنحها طاقة جديدة لتواصل البيع في الشوارع.
مرت الأعوام والطفلة البائعة صارت شابة نحيلة الجسد لكن عينيها ظلتا لامعتين تشعان بالأمل. في سن المراهقة تعلمت كيف تصنع الباقات بشكل أجمل تضيف إليها شرائط ملونة وتمزج الألوان بمهارة فأصبح زبائنها أكثر وأرباحها تكفي لتغطية مصاريف الدراسة. لم تكن الورود بالنسبة لها مجرد مصدر رزق بل جزءا من روحها تشبهها في رقتها وصلابتها معا.
وحين أنهت الثانوية وقفت أمام والدتها والدموع تلمع في عينيها وقالت أمي أريد أن أكمل دراستي في مجال يفيد الناس. سألتها الأم بقلق وماذا اخترت فأجابت بثقة لم يسبق أن عرفتها أريد أن أصبح ممرضة. ابتسمت الأم رغم خوفها من التكاليف وقالت ستكونين رحمة لغيرك كما كنت لنا.
بدأت ليلى رحلتها الجديدة في معهد التمريض وما زالت تبيع الورد لكن في ساعات أقل. كانت تقضي معظم وقتها بين المحاضرات والكتب. تعلمت كيف تقيس ضغط الدم وكيف تبتسم للمريض رغم حزنه وكيف أن العلاج الطيبة قد تكون دواء بحد ذاتها. وأثناء تدريبها العملي دخلت لأول مرة جناح أمراض القلب وهناك وجدت عالما آخر وجوه مسنين أنهكتهم السنين وقلوب تخشى النهاية.
اقتربت من أحدهم وقدمت له كأس ماء فقال لها بصوت مبحوح أنت تذكرينني بابنتي التي لم أرها منذ زمن. كادت الدموع تملأ عينيها لكنها تماسكت وفي تلك اللحظة شعرت أنها وجدت رسالتها الحقيقية. لم تعد الورود وحدها رسالتها بل رعاية القلوب المتعبة أيضا. ومن هنا كانت 

 

تم نسخ الرابط