رواية قلوب معلقة بقلم اسماء ندا الفصل الثاني

لمحة نيوز

الفصل الثاني خديعة القدر
كانت ليلى لا تزال غارقة في حزنها على رحيل العجوز. كل ركن في المستشفى يذكرها به سريره الفارغ جهاز القلب الذي كان يصدر رنينه المتقطع وحتى الأكواب الزجاجية التي كانت تحضر له فيها الماء. لم تكن تدري أن الأيام تخبئ لها مواجهة مختلفة تماما مواجهة مع ابنه.
جاء الابن إلى المستشفى في مساء هادئ ببدلة أنيقة ورائحة عطر فاخرة تبدو عليه علامات الثراء والاعتداد بالنفس. وقف أمامها وبادلها ابتسامة خفيفة وقال
أنت ليلى أليس كذلك
ارتبكت قليلا من نبرته الواثقة ثم أجابت نعم... أنا التي كنت أعتني بوالدك.
اقترب خطوة أخرى وكأنه يحاول قراءة ملامحها عن قرب وقال سمعت عن اهتمامك به... لقد كان يثني عليك كثيرا.
لم تعرف ليلى ما تقول فاكتفت بالصمت. أما هو فقد بدأ ينسج خيوط خطته يزن كلماته بعناية ليبدو صادقا.
أنا... آسف حقا لأنني لم أكن قريبا منه كما يجب. لكن أريد أن أكون قريبا منك أنت على الأقل لأعوض تقصيري.
كلمات لطيفة لكنها لم تصل إلى قلبها بسهولة. كانت ليلى بطبعها متوجسة من الغرباء وأكثر ما يثير شكها هو اهتمام مفاجئ بلا مبرر. ومع ذلك بدت كلماته كجسر ممدود نحو شيء لم تفكر فيه من قبل.
بدأ يتردد على المستشفى بحجة إنهاء بعض الإجراءات لكن الحقيقة أنه كان يسعى للتقرب منها. كان يحضر لها القهوة أحيانا أو يترك لها باقة ورد صغيرة على مكتبها. المفارقة أنها هي بائعة الورد في طفولتها لم تتوقع يوما أن يأتي أحد ليهديها وردا بلا مقابل.
في البداية ظنت الأمر مجاملة عابرة لكنها لاحظت أنه يطيل الجلوس إلى جوارها يسألها عن يومها عن طفولتها عن سبب اختيارها التمريض. كانت إجابتها دائما بسيطة صادقة بعيدة عن أي تكلف. وهو على غير عادته وجد نفسه منصتا بجدية.
ذات مساء جلسا معا في حديقة المستشفى حيث الأشجار القليلة تتمايل مع نسيم خفيف. قال لها فجأة
ليلى... أتعرفين لأول مرة منذ زمن طويل أشعر أنني أريد أن أبدأ حياة جديدة.
نظرت إليه باستغراب وماذا تقصد
ابتسم وهو يخفي نواياه الحقيقية أقصد أنني أريد أن أتعرف عليك أكثر... وربما أن أشاركك هذه الحياة.
ارتجف قلبها للحظة. لم تعتد على سماع مثل هذه الكلمات خاصة من رجل مثله غني وسيم اعتاد أن يحصل على ما يريد بسهولة. شعرت أن بينهما هوة شاسعة لكنه بدا وكأنه يصر على ردمها بكلماته.
لم يكن حبا بعد بل ارتباكا ممزوجا بالفضول. هي لم تعرف معنى أن يحبها رجل وهو لم يعرف من قبل معنى أن ينجذب حقا لطيبة إنسانة بسيطة. كان كل شيء في البداية لعبة خدعة أراد بها أن يحافظ على ثروة والده. لكن مع كل يوم يقضيه إلى جوارها كان قلبه يتورط أكثر رغما عنه.
وفي إحدى الليالي حين كانت تتحدث عن طفولتها ودموعها تكاد تنهمر وجد نفسه يمد يده ليمسح دمعتها. لحظة عابرة لكنها زلزلت داخله شيئا لم يفهمه. لم يعد متأكدا هل هو الذي يخدعها أم أن قلبها الصادق هو من يخدعه ليكشف هشاشته
هكذا بدأت خديعة القدر خداع أراده مصلحة وتحول ببطء إلى مشاعر لم يكن يتوقعها. وليلى ببراءتها التي لا تعرف المكر لم تدرك أنها تقف على مفترق طرق حيث يمكن لكلمة واحدة أن تغير حياتها إلى الأبد.
مرت أسابيع وليلى ما زالت غير قادرة على فهم ما يحدث. وجود الابن المفاجئ في حياتها كان مربكا فهي اعتادت أن تكرس وقتها للمستشفى وللمرضى لا لأحاديث طويلة ولا لاهتمامات خاصة من رجل غريب. ومع ذلك كل مرة تراه فيها يبتسم كانت تشعر بشيء يتسلل إلى قلبها رغما عنها.
كان هو الآخر يعيش صراعا داخليا. في البداية كان كل شيء واضحا أمامه يقترب منها يتظاهر بالحب ثم يتزوجها فيبقى الإرث في يديه. لكن ما لم يكن في الحسبان أن صدقها بدأ يترك ندوبا في قلبه ندوبا لا يستطيع تجاهلها. كانت نظرتها البريئة ضحكتها الخجولة وحتى صمتها المليء بالمعاني تجعله يتردد في كل خطوة.
في إحدى الأمسيات دعاها للجلوس في مقهى صغير خارج المستشفى. المكان كان بسيطا بعيدا عن الأجواء الفاخرة التي اعتاد عليها لكنه أراد أن يختبر شعور القرب منها بعيدا

تم نسخ الرابط