رواية ايفلين بقلم اسماء ندا الفصل الرابع والعشرين
الفصل الثالث والعشرين
من وجهة نظر كورماك
انفجرت إيفلين في ضحكة لاهثة وهي تنزلق إلى الأرض بعد محاولتها الثالثة الفاشلة لامتطاء السرج وقالت
إنت بتضحك عليا مش كده ده أصعب بكتير مما كنت متصورة!
كان الهواء يعبث بخصلات شعرها يرفعها عن وجهها فيكشف عن ابتسامة واسعة تزيدها إشراقا. أحسست بانقباضة دافئة في قلبي ابتسمت قائلا بنبرة ساخرة رقيقة
طبعا.. قولي للفارس المتمرس إن ركوب الحصان صعب يا سلام!
تجهمت إيفلين وأطبقت ذراعيها على صدرها في حركة طفولية وقالت
أنا مش مهتمة للكلام ده أنا ست بحب العربيات ولو شدينا شوية.. العجل. لكن الخيل لا لا موضوع تاني خالص.
ألقت نظرة مترددة نحو الفرس الهادئة التي اخترتها لها بعناية كانت ماري فرسا مسنة وغالبا ما نتركها للأطفال حين يخوضون أول تجربة حقيقية في دروب المزرعة لذلك ظننتها الأنسب لإيفلين. لكن يبدو أنها أكثر ارتباكا مما توقعت وكل شيء يسير عكس الخطة.
مع ذلك لم يساورني القلق فمنذ أن انهرت بين ذراعيها في الإسطبل البارحة وأنا أحاول أن أتخلص من تلك الغلالة الساذجة التي غطتني كالوشاح بدا لي أن جولة خفيفة بصحبتها وسط الطبيعة وعلى ظهر الخيل ستكون الدواء الشافيكنا نستحق أن نستكشف المزرعة معا وأن نمضي بعض الوقت في صحبة بسيطة ومعنا بعض الحلوى التي خبأتها في الكيس المعلق على ظهر بارسلي إن استطاعت إيفلين فقط أن تصعد إلى ظهر الفرس سألتها وأنا أرى الاستسلام يلوح في تقاطيع وجهها
تحبي تجربي تاني ولا تركبي معايا
لمعت عيناها فجأة رغم أنها عضت شفتها السفلى في توتر وقالت
هو حصانك يستحملنا إحنا الاتنين
ابتسمت قائلا
حصاني يستحملني أنا وجودك مش هيتحس أصلا.
ضحكت وقالت بلا تردد
ماشي موافقة.
قهقهت ومددت لها يدي فأمسكتها بحماس. سرنا معا عبر المرعى حيث وقفت بارسلي تمضغ العشب بكسل. قلت وأنا أقترب منها
جاهزة يا بارسلي
رفعت رأسها وأطلقت شخيرا خفيفا ثم شدت قليلا في لجامها. وضعت ذراعي حول إيفلين وحملتها على طريقة العرسان لأضعها برفق فوق السرج. أطلقت شهقة قصيرة وتمسكت فورا بعرف الفرس صعدت خلفها وأزحت نفسي للأمام حتى استقرت أمسكت باللجام بيد وباليد الأخرى أحطت خصرها صرخت بخوف ممزوج بالضحك حين دفعت بارسلي للحركة
آه! متسبنيش أوقع!
انحنيت هامسا في أذنها
مش هتقعي أوعدك.
فانطلقنا بخطى واثقة قبل أن أغادر ناديت على ما كي تعيد ماري إلى الإسطبل.
كانت الرحلة بالضبط ما أحتاجه في البداية توترت إيفلين فحرصت أن تبقى بارسلي على وتيرة هادئة عبر المزرعة في اتجاه الغابة وما إن بدأت تسترخي وتتكئ إلى صدري حتى رفعت السرعة قليلا وصرنا نخوض الممر بخطوات متسارعة نحو البحيرة امتلأ الهواء بعطر الصنوبر والأزهار وروائح التراب المسخن بشمس الظهيرة. زقزقة عصافير همسات الأشجار في مهب الريح وثرثرة السناجب فوق الأغصان العالية. ومع كل هذا الجمال ذاب توتر المدينة بعيدا عني وعدت مراهقا من جديد أستكشف الدروب على ظهر حصاني لا يهمني شيء سوى اللحظة. كنت إيفلين إلي وهي تكتفي أحيانا بآهات إعجاب خافتة أو كلمات دهشة حين ترى الطيور أو الحيوانات الصغيرة.
وعند البحيرة تغير كل شيء شهقت وهي تهبط من على ظهر بارسلي بمساعدتي
يا نهار أبيض! المنظر ده.. رهيب!
خطت بضع خطوات ثم قبضت على فخذيها بتأوه
يا ساتر.. آه! رجلي بتولع.
ضحكت وأنا أفك الحقيبة وأربط بارسلي إلى وتد في الأرض
بتوجعك
أجابت بمواء طفولي
جدا! إيه العذاب ده
ابتسمت قائلا
أهلا بيكي في عالم ركوب الخيل.
تمتمت وهي تترنح نحو الشاطئ الرملي
يا خبر أبيض.. دي عضلات عمري ما استخدمتها قبل كده!
لحقتها وأنا أنشر بطانية صغيرة على الرمال الناعمة و قلت لها آمرا برفق
اقعدي وارتاحي.
اتجهت نحو الماء لملء دلو لبارسلي وقدمت لها بعض العلف. راحت تشكرني بخوار ودي وهي تدفن أنفها في يدي فربت على رأسها وقبلت خطمها قبل أن أعود إلى إيفلين. أخرجت من الحقيبة ما كنت أعددته مكونات نزهة صغيرة. وما إن بدأت تذوق الجبن والبسكويت حتى نسيت آلامها.
سألتني بعينين مندهشتين
إنت عامل كل ده عشاني
ابتسمت وأنا أضع حبة طماطم في فمي
الحياة معمولة عشان نستمتع بالحاجات الصغيرة. وبعدين.. إنت تستاهلي.
قهقهت قائلة بسخرية مرحة
يا سلام! سيد المافيا المخيف طلع عنده قلب رومانسي.. خيل ونزهة عالبحيرة كمان! لو أعداءك عرفوا هيقولوا دماغك فيها