رواية قلوب معلقة بقلم اسماء ندا الفصل الثالث
الفصل الثالث هروب لا يكتمل
منذ تلك الليلة في المقهى، لم تعد ليلى كما كانت. شيء ما انكسر داخلها، ربما ثقتها الساذجة، وربما حلمها الصغير بأن تجد في هذا الرجل ملاذًا يشبه الأمان الذي فقدته. كل كلمة قالها كانت تتردد في رأسها كجرس لا يتوقف: "في البداية لم يكن الأمر بدافع المشاعر..."
في اليوم التالي، تحاشت لقاؤه في المستشفى. انشغلت بمرضاها أكثر من أي وقت مضى، تخفي نفسها وراء الملفات والممرات المزدحمة. وكلما مرّ من بعيد، كانت تشيح بوجهها كأنها لم تره. أحسّ هو بالمسافة التي وضعتها بينهما، لكن لم يجرؤ على اقتحامها سريعًا.
لياليها لم تكن أهدأ. كانت تجلس أمام النافذة الصغيرة في غرفتها، تحدّق في الشارع الخالي وتتساءل: هل يمكن لقلب خدع أن يُشفى؟ هل تكفي الكلمات لتجبر الكسر؟ كانت تسمع همسات والدته المتوفاة في ذاكرتها، وصوت العجوز الذي رحل وهو يوصيها بالحفاظ على قلبها. شعرت أن الاستمرار معه قد يكون خيانة لنفسها ولذكراه.
بعد أيام، قررت أن تتخذ قرارًا نهائيًا. ذهبت إلى إدارة المستشفى، وطلبت نقلها إلى قسم آخر بعيدًا عن جناح القلب، حيث لا تراه، ولا تضطر لسماع صوته أو مواجهة عينيه. كتبت طلبها بيد مرتجفة، لكنها شعرت براحة غريبة وهي توقّع في النهاية.
وحين خرجت من المكتب، وجدته واقفًا عند الباب. بدا وكأنه كان ينتظرها، أو كأن القدر وضعه هناك عمدًا. ابتسم بخفوت وقال: "أهذا ما تفعلينه؟ تهربين؟"
تصلبت ملامحها: "أنا لا أهرب. أنا أحمي نفسي."
اقترب خطوة منها، عيناه تلمعان بصدق لم تعهده فيه من قبل: "ولو قلت لك إنني أنا من يحتاج الحماية؟ إنني أنا من صرت ضعيفًا أمامك؟"
أدارت وجهها بعيدًا، تخفي ارتباكها. لكنه مد يده ووضع ورقة مطوية في يدها، ثم همس: "اقرئيها حين تكونين وحدك." وغادر دون أن ينتظر ردًا.
في تلك الليلة، جلست على سريرها وفتحت الورقة. كانت رسالة قصيرة، لكنها مختلفة عن كل ما قاله من قبل:
"ليلى... لم أخبرك الحقيقة كاملة. والدي لم يكتب الوصية ليعاقبني أو ليجبرني على زواج لا أريده، بل لأنه رأى فيك شيئًا لم أره أنا في البداية. رأى نورًا أردتُ أن أنكره، لكنني لم أستطع. لا أعرف كيف أثبت لك أنني لا أريدك من أجل المال. ربما يكفي أن أقول: لم أعد أرى الحياة ممكنة من دونك."
الرسالة أبكتها. قلبها كان يريد أن يصدّقه، لكن عقلها كان يقاوم. هل يمكن لرجل عاش مدللًا بالثروة أن يتغير هكذا؟ هل يمكن للحب أن يولد من رحم الخديعة؟
وفي اليوم التالي، بينما كانت في غرفة أحد المرضى، سقط فجأة بين يديها طفل صغير كان يعاني من أزمة قلبية. أسرعت لإنقاذه، وفي لحظة فوضى، دخل هو إلى الغرفة. رأى وجهها المتوتر وهي تحاول إنقاذ حياة الطفل، ورأى في عينيها إصرارًا لا يعرف الرحمة إلا بهيئته. وبعد دقائق طويلة، استقر تنفس الطفل أخيرًا.
حين خرجت من الغرفة والعرق يلمع على جبينها، كان واقفًا عند الباب، ينظر إليها بدهشة حقيقية. قال بصوت خافت: "الآن فهمت... والدي كان على حق. أنتِ لستِ عادية، ليلى. أنتِ نادرة."
كلماته اخترقت جدارها الصلب، لكنها لم تُسقطه تمامًا. اكتفت بالقول: "ما زال الطريق طويلًا بيني وبين أن أصدقك."
ابتسم، وكأنه قَبِل التحدي: "إذن سأنتظر... حتى يختار قلبك أن يصدقني."
وكان ذلك أول اعتراف حقيقي يخرج من بين شفتيه، اعتراف لم يتسلح فيه بخداع أو مصلحة، بل بصدق عارٍ يخشاه أكثر مما يخشى فقدان الميراث كله.
بعد تلك الليلة، أدرك أن الطريق إلى قلب ليلى لن يُفتح بالوعود ولا بالكلمات المنمقة، بل بشيء أعمق، شيء لم يعتد أن يفعله: التضحية.
لقد عاش حياته كلها محاطًا بالخدم، لا يمد يده لعمل، ولا يعرف كيف يقف بجانب الآخرين دون مقابل. لكن ليلى جعلته يرى الحياة من زاوية مختلفة، زاوية لم يعشها من قبل.
بدأ صباحه الأول بقرار جديد. استيقظ مبكرًا، على غير عادته، وارتدى ثيابًا بسيطة، وتوجه إلى المستشفى. لم يدخل جناحه الخاص حيث اعتاد أن يجلس كضيف شرف، بل قصد مكتب الإدارة وتحدث مع المدير. قال بصرامة: "أريد أن أتبرع بجزء من أموال والدي لإنشاء جناح خاص لعلاج الأطفال مرضى القلب... مجانًا."
تفاجأ المدير من الطلب، وازداد اندهاشه حين أضاف الشاب: "وأريد أن أكون متطوعًا فيه."
ذلك اليوم، دخل إلى عالم لم يعرفه من قبل. ساعد في نقل الأجهزة، رافق الأطفال في جلسات العلاج، ووقف بجانب الأطباء والممرضين يتعلم كيف يقدم يد العون. كثيرون لم يصدقوا أن ابن الرجل الثري يقف بينهم في الممرات المزدحمة، يحمل الأوراق، ويبتسم للأطفال.
أما ليلى، فقد راقبته من بعيد. لم تكن تثق بسهولة، لكن شيئًا ما كان يتغير فيه حقًا. لم يكن يتصنع الاهتمام، بل كان يعيش التجربة بقلب مفتوح. كانت تراه يجلس بجوار طفل صغير، يمسك يده ويسرد له قصصًا خيالية ليخفف عنه ألم الحقن. كانت تراه يخرج من غرفة العمليات وملابسه ملطخة بالعرق بعد أن ساعد في تجهيز المعدات. وكان يبتسم لها حين يلمح عينيها، ابتسامة ليست كابتسامات الماضي، بل ابتسامة رجل قرر أن يخلع قناع الثراء ليكون مجرد إنسان.
وذات مساء، بينما كانت تنهي أوراقها، طرق باب مكتبها ودخل بهدوء. بيده باقة من الورود، ليست من تلك الفاخرة المستوردة، بل ورد بسيط من بائع متجول يقف عند بوابة المستشفى. مدها إليها وقال بخجل: "تعلمين... اخترت هذه الورود لأنني تخيلتكِ وأنتِ صغيرة تبيعينها في الطرقات. أردت أن أتذكر أين بدأتِ وكيف صنعتِ نفسك بنفسك."
أخذت الورود بين يديها، ودمعة ساخنة انسابت على وجنتها دون أن تشعر. حاولت أن تخفيها، لكنها فشلت. قال لها بصوت متهدج: "ليلى... لا أطلب منكِ أن تثقي بي الآن. فقط امنحيني فرصة أن أثبت أن الرجل الذي خدعك يومًا لن يعود مرة أخرى. لقد تغيرت... بفضلك."
ترددت الكلمات في أذنها طويلاً. قلبها كان يحاول المقاومة، لكن ببطء، بدأ الجدار الذي بنته يتشقق. كانت ترى في عينيه صدقًا لم تلحظه من قبل، ورأت في أفعاله ما لم تستطع أذناها أن تصدقه من الكلمات.
ومع مرور الأيام، بدأت تقتنع أن هذا الرجل لم يعد يراها كشرط في وصية، ولا كوسيلة لنجاة ميراثه، بل كروح أنقذته من خواءٍ كان يظنه حياة.
في أحد الأيام، وقف أمامها في الممر، والمرضى والأطباء يمرون من حولهما، وقال بصوت مسموع للجميع:
"ليلى، لستُ بحاجة لثروة أبي ولا لأي ميراث. إن كنتِ لن تقبليني إلا وأنا بلا مال، فأنا مستعد أن أتنازل عن كل شيء. فقط لا تتنازلي أنتِ عني."
شهقت من وقع كلماته، ورأت في عينيه بريقًا لم يكن فيه أي أثر للخداع. لأول مرة، صدّقته تمامًا.