رواية العهد الملعون بقلم اسماء ندا الفصل السادس الاخير
الفصل السادس / العهد الأخير
استفاق الشيخ بدر وهو يلهث، العرق يغطي جبينه، وجسده يرتعش كمن خرج لتوّه من قبر.
أدار عينيه حوله فلم يجد إلا الساحة المظلمة، والباب الحجري مغلق كما كان، لا أثر لسالم ولا رجاله… فقط الطفل الصغير جالس على الأرض، عيناه واسعتان تلمعان من الدموع، يرتجف ويضم نفسه كأنه يحتمي من ظلامٍ لا يراه أحد سواه.
اقترب بدر ببطء، كأنه يخشى أن يكون كل ما حوله وهمًا.
مدّ يده ليمسح دموع الصغير، لكن الطفل تراجع وهو يقول بصوت مرتعش:
– "فين عمو سالم؟ كانوا هنا… سحبهم الباب!"
شعر بدر أن قلبه يثقل أكثر، عيناه امتلأتا بما يشبه الندم، لكن داخله كان يعرف الحقيقة: سالم ورفاقه لم يعودوا من عالم الأرواح… ولن يعودوا أبدًا.
جلس بجانب الطفل، وقال بصوتٍ واهن:
– "اسمع يا ابني… اللي حصل الليلة دي محدش لازم يعرفه. المقبرة دي ملعونة… لو حاول أي بني آدم يفتحها تاني، هيكون مصيره زيهم."
رفع الطفل عينيه إليه، وفيهما براءة ممزوجة برعبٍ لا يُفهم. لم ينطق بكلمة.
نهض بدر بصعوبة، واقترب من الباب الحجري. وضع يده عليه، فشعر بحرارة غريبة تتسرب إلى جسده، كأن الحارس ما زال يراقبه من وراء الحجر.
سمع في أعماق رأسه صوته المهيب يتردد:
– "أنت العهد… أنت الحارس الجديد."
ارتجف بدر، لكنه تمتم:
– "أقسم… أقسم ألا تُمس هذه المقبرة مرة أخرى. بيدي أنا أردمها، وبدمائي أختمها."
التقط معوله من جانب الساحة، وبدأ يحفر حول الباب.
ليلة كاملة قضاها يغطي الحجر بالتراب والصخور، وكل ضربة معول كانت كأنها نصل في قلبه.
لم يتوقف حتى صارت المقبرة تحت طبقة كثيفة من الطين والحجارة، كأنها لم تكن يومًا.
مع أول خيط للفجر، وقف بدر منهكًا، ينظر إلى عمله. عيناه غائرتان، لكن داخله يعرف أنه لن يرتاح ما دام حيًا.
التفت يبحث عن الطفل، فوجده واقفًا في زاوية الساحة، ينظر إليه بصمت.
لكن الغريب… أن عيني الطفل لم تعودا كما كانت. في بؤبؤيه بريق ذهبي خافت، يشبه تمامًا وميض النقوش التي رآها داخل المقبرة.
اقترب بدر، محاولًا أن يتأكد، لكن الطفل ابتسم ابتسامة صغيرة، ثم جرى نحو بيت جدته دون أن ينطق بكلمة.
ظل بدر واقفًا مكانه، صدره يعلو ويهبط، والريح تمرّ فوق الساحة كأنها تحمل همسًا خفيًا.
همس لا يسمعه إلا هو:
"العهد لا ينتهي… العهد ينتقل."
رفع الشيخ بدر عينيه نحو السماء، القمر كان ما زال عالقًا باهتًا في الأفق، كعينٍ تراقب.
أدرك أن الحارس لم يتركه تمامًا… وأن الطفل ربما صار جزءًا من اللعنة، أو حاملًا لسرٍ لا يعرفه أحد.
تنفّس بدر بعمق، وخرج من الساحة بخطوات متثاقلة.
ومنذ ذلك اليوم، صار الرجل العجوز يطوف بين أهل القرية محذّرًا إياهم:
– "لا تحفروا في الأرض… لا تقتربوا من المقبرة. دعوا الموتى في نومهم… قبل أن يستيقظوا عليكم."
لكن عيني الطفل… لم تنسيا أبدًا ذلك الباب.
وفي كل مرة يمر بجانب الساحة، كان يتوقف، يحدق في التراب كأن شيئًا بداخله ما زال ينادي.
النهاية