رواية العهد الملعون بقلم اسماء ندا الفصل الخامس

لمحة نيوز

الفصل الخامس أرواح الدم
الممرات تتشعب بلا نهاية كأنها متاهة بناها الموت نفسه. كل جدار يحمل نقوشا فرعونية تتحرك في الظلام ملوك بتيجان ذهبية يمدون أيديهم كأنهم يستدعون الضحايا وجنود برؤوس حيوانات يطعنون خصوما غير مرئيين.
سالم يركض قدماه تنزفان من الحجارة الحادة وأنفاسه تتقطع. خلفه يتردد صدى صرخات أصحابه يبتلعها الفراغ.
أما الشيخ بدر فكان يركض أمامهم صوته يلهث
اتفرقوا! يمكن نلاقي مخرج!
لكن المخرج لم يكن موجودا.
المتاهة كانت حية تغير شكلها كل لحظة الأبواب تنغلق حين يقتربون والممرات تلتف حولهم كالأفعى.
فجأة توقف أحد الرجال وهو يصرخ
أنا مش قادر! أنا هرجع!
التفتوا إليه لكنه لم يمهلهم ثانية. الأرض تحت قدميه انشقت فجأة وخرجت أياد حجرية سوداء أمسكت بجسده وسحبته للأسفل.
صرخ وهو يغرق في الأرض وصوته يتلاشى حتى لم يبق منه إلا بقعة من التراب تغلي كالماء المغلي.
سالم شهق لكنه لم يتوقف. دفع الشيخ بدر وهو يصرخ
إحنا هنهلك كلنا! ده فخ!
لكن بدر لم ينظر إليه عيناه معلقتان بالجدران كأنه يبحث عن شيء وسط النقوش.
الحارس كان يتبعهم. صوته يزلزل الهواء
أرواحكم هدية لملكي دماؤكم حبر للعنة!
اندفع الرجل الثاني مذعورا إلى ممر جانبي. لحظة دخوله أغلقت الجدران حوله فجأة كفم حجري.
صرخ سالم
إرجع! إرجع!
لكن لم يسمع سوى صوت العظام ثم صمت تام.
وعندما أعيد فتح الجدران كان الممر خاليا إلا من بقع دم ترسم خطوطا على النقوش.
لم يبق إلا سالم والشيخ بدر والرجل الثالث.
ركضوا معا في ممر طويل وفي نهايته ظهر ضوء باهت كأنه بصيص أمل.
صرخ سالم
شايفين في ضوء! ده مخرج!
لكن الرجل الثالث اندفع قبلهما كأنه وجد النجاة.
وحين اقترب من الضوء تلاشى فجأة جسده كرماد تحمله الريح ولم يبق منه إلا صدى ضحكة مكتومة خرجت من الحارس.
سالم سقط على ركبتيه وهو يبكي
كله بسببك يا بدر! كله بسبب طمعك!
لكن بدر لم يرد كان يحدق في الظلام حيث تقترب خطوات الحارس الثقيلة.
من العتمة ظهر الكائن من جديد رمحه يلمع عينيه تتقدان كالنار.
وقف أمامهما صوته كالبركان
لم يبق إلا أنتما. واحد يذوق الموت والآخر يختار العهد.
تجمد سالم عيناه تدمعان
عهد إيه! سيبنا نخرج!
لكن الحارس تقدم بخطوة والهواء من حوله صار نارا خانقة.
الشيخ بدر رفع يده فجأة وقال بصوت قوي رغم ارتجافه
أنا! أنا اللي أختار العهد!
التفت الحارس إليه وصمت للحظة.
أما سالم فقد حاول أن يركض بعيدا لكن الحارس لم يمهله اندفع برمحه فاخترق جسده ورفعه في الهواء كدمية.
صرخة سالم مزقت المكان ثم انطفأ صوته وسقط جسده بلا حياة ليتبخر في الهواء كأنه لم يكن.
بقي الشيخ بدر وحده يواجه عيني الصقر الملتهبتين.
قال الحارس
إما أن تموت كرفاقك أو تعاهدني بدمك ألا تفتح هذه المقبرة ثانية.
بدر جثا على ركبتيه وصوت قلبه يكاد يسمعه.
قال بصوت منكسر
أعاهدك أعاهدك ألا أقترب من قبركم مرة أخرى وأحميه حتى أفنى.
لمع رمح الحارس ثم غرسه في الأرض أمام بدر. اهتزت القاعة وبدأت جدرانها تنهار ببطء والأصوات تصرخ من كل جانب.
ثم سقط بدر في هاوية مظلمة لكنه استيقظ فجأة ليجد نفسه ملقى في ساحة القرية بجوار الباب الحجري المغلق.
كان القمر ما زال معلقا في السماء والطفل جالس على الأرض يبكي.

تم نسخ الرابط