رواية العهد الملعون بقلم اسماء ندا الفصل الرابع
الفصل الرابع عالم الأرواح
حين ابتلعهم الباب شعر سالم أن جسده يتفتت ثم يعاد تركيبه في فراغ لا نهائي. لم يكن سقوطا ولا سيرا بل انزلاق في نفق بلا نهاية. صرخ لكن صوته تلاشى كما لو امتصته الجدران غير المرئية.
ثم فجأة ارتطموا جميعا بأرض صلبة.
فتح سالم عينيه فإذا بهم في قاعة مظلمة جدرانها من حجر أسود ملساء عليها نقوش فرعونية تتوهج بوميض دموي. الهواء ثقيل كأنهم يتنفسون غبار آلاف السنين.
من السقف كانت مشاعل لا ترى أيدي من أشعلها تضيء بلهب أزرق غريب.
تلفت سالم مذعورا ورأى بجانبه الشيخ بدر ورجاله الثلاثة وجوههم شاحبة يلهثون كأنهم خرجوا لتوهم من قبر.
قال أحد الرجال وهو يحدق حوله
إحنا إحنا فين
رد الشيخ بدر بصوت أجش لكنه لم يفقد كبرياءه
دي المقبرة بس دي مش زي أي مقبرة شفتها.
لم تمض ثوان حتى دوى صوت مهيب في القاعة. لم يكن صوتا بشريا بل زئيرا يتخلله صدى كالرعد. ارتجت الجدران وتساقط غبار من السقف.
ثم خرج من الظلام كائن لم يروا مثله من قبل.
كان طوله ضعف أي رجل جسده ضخم بكتفين عريضين مكسو بدرع ذهبي باهت.
وجهه لم يكن وجه إنسان بل رأس صقر عظيم عيناه تتقدان بالوهج الناري.
أما قدماه فكانتا كقدمي أسد ضخمتين مخيفتين تضربان الأرض بصوت يزلزل المكان.
وفي يده رمح طويل يلمع كأنه صنع من شمس متحجرة.
تراجع سالم وهو يصرخ
إيه ده! إيه ده يا بدر!
لكن الشيخ بدر لم يجب كان عينيه متسمرتين على الكائن وفي وجهه لأول مرة رعب حقيقي.
اقترب الحارس بخطوات بطيئة صوته يزلزل القاعة
من تجرأ أن يفتح باب الأبدية بلا قربان من دنس حرمة مقبرة الملوك
تجمد الرجال الأربعة في أماكنهم.
حاول سالم أن يرد لكن الكلمات خانته.
أما الشيخ بدر فابتلع ريقه وقال بصوت مرتجف
نحن نحن أتينا لنعرف أسراركم.
ضحك الحارس ضحكة أشبه بصرير الحديد
أسراري تكتب بالدم وتقرأ بالموت.
وفجأة انطفأت المشاعل الزرقاء وغرقت القاعة في ظلام دامس. لم يبق إلا وميض عيني الحارس تلمعان كجمرتين في العتمة.
ثم اندفع عليهم بسرعة تفوق خيالهم وصوته يزمجر
لن يخرج أحد إلا على جثة أو عهد.
صرخ الرجال وبدأوا يركضون في أروقة لا تنتهي. لم تعد القاعة قاعة واحدة بل ممرات متشعبة أبواب تفتح وتغلق وحدها جدران تتحرك كأنها حية.
ركض سالم وهو يشعر أن قلبه سينفجر والهواء من حوله يمتلئ بصرخات الأرواح صرخات تعذيب قديم لم تنطفئ منذ آلاف السنين.
أحد الرجال تعثر وسقط وقبل أن ينهض انقض عليه الحارس برمحه.
صرخة اخترقت الفراغ ثم عم الصمت لم يتبق منه سوى بقعة دم تتبخر في الهواء.
صرخ سالم
يا بدر! لازم نخرج! ده مش عالمنا!
لكن الشيخ بدر رغم خوفه كان يركض وفي عينيه بريق غريب كأنه يبحث عن شيء أعمق من النجاة.
الحارس لم يتوقف كان يتتبعهم كذئب يلهو بفرائسه.