رواية العهد الملعون بقلم اسماء ندا الفصل الثالث

لمحة نيوز

الفصل الثالث ليلة الدم والقمر
حلت الليلتان بسرعة كأن الزمن يتعجل وقوع الكارثة.
في القرية كان القمر يزداد اكتمالا يعلو كل ليلة حتى صار في الليلة الثالثة دائرة كاملة من ضوء باهت يسكب نوره الفضي على الحقول والبيوت الطينية كأنه عين كونية تراقب ما سيحدث.
في بيت سالم كان الطفل يجلس عند جدته العجوز يلعب بحجر صغير بين يديه يضحك ببراءة. لم يكن يدري أن عمه قد رسم له مصيرا أسود.
وقف سالم في زاوية الغرفة يراقبه بعينين مترددتين. كل مرة يلمح وجه الطفل يتذكر أخاه يتذكر الوعود التي قطعها يوم جنازته أن يرعى ابنه. لكن الوعد ذاب أمام بريق الذهب الذي توهج في خياله.
اقترب سالم من الطفل وحاول أن يبتسم. قال بصوت هادئ
تعالى معايا يا حبيبي. هوديك تشوف حاجة حلوة.
رفع الطفل عينيه البريئتين وابتسم بلا خوف. الجدة سألت
رايح فين بيه يا سالم في نص الليل
رد سالم متوترا
هوريه الفوانيس اللي في الساحة مش هتأخر.
هزت العجوز رأسها لم تشك في شيء فالقرية كلها أمان كما اعتادت أن تقول.
لكن سالم وهو يمسك بيد الطفل كان يشعر كأنه يقوده إلى فم الوحش.
وصل إلى الساحة وهناك كان الشيخ بدر في انتظاره. بجانبه ثلاثة رجال أشداء وكل واحد منهم يحمل أدوات غريبة سكين طويل مشاعل وأوان من الفخار.
في منتصف الساحة كان الباب الحجري قد كشف عن التراب يقف شامخا تحت ضوء القمر نقوشه تتلألأ كأنها تنبض بالحياة.
أمسك الشيخ بدر بيد العصا ورفعها عاليا ثم صاح
الليلة الليلة يفتح الباب! الليلة نشرب من ذهب الفراعنة!
ارتجف سالم وهو يدفع الطفل إلى وسط الدائرة.
الطفل نظر حوله في خوف وصوته الصغير ارتجف
عمو إيه ده هما مين دول
لم يجب سالم بل أشاح بوجهه بعيدا حتى لا يلتقي بعينيه.
بدأ الشيخ بدر يتمتم بكلمات غير مفهومة. الرجال الثلاثة أشعلوا المشاعل وراح الدخان يتصاعد في الهواء.
ثم أمسك الشيخ بدر بالسكين الطويل واقترب من الطفل.
في تلك اللحظة حدث ما لم يكن في الحسبان.
الأرض اهتزت فجأة تحت أقدامهم والباب الحجري ارتجف ككائن حي يستيقظ من نومه الطويل. النقوش أضاءت بضوء أحمر داكن وصوت عميق خرج من جوف الأرض كأنه زئير وحش قديم.
صرخ الطفل وبكى وسالم تجمد في مكانه.
أما الشيخ بدر فرفع السكين عاليا لكن قبل أن يهوى به انشق الباب فجأة
انفتح ببطء كأن قوى خفية تدفعه ومنه خرجت ريح باردة مظلمة اجتاحت الساحة.
صرخ أحد الرجال
يا ساتر! ده بيتفتح من غير دم!
وقبل أن يكتمل صراخه اندفعت قوة غير مرئية كالإعصار جذبت الشيخ بدر ورجاله وسالم نحو الباب المفتوح. حاولوا المقاومة تشبثوا بالأرض لكن قوة هائلة سحبتهم إلى الداخل.
كان صراخهم يملأ الساحة والطفل ملقى على الأرض يبكي لكن الغريب أن الريح لم تمسه.
آخر ما رآه سالم قبل أن يبتلع هو عيني الطفل الواسعتين المملوءتين بالدموع والبراءة.
ثم أغلق الباب خلفهم بصوت مدو وساد السكون.
الطفل ظل وحيدا في الساحة يصرخ وينادي على جدته لكن أحدا لم يرد.
أما سالم والشيخ بدر ورجاله فقد وجدوا أنفسهم في عالم آخر عالم يبتلع الأرواح.
عالم الظلام.

تم نسخ الرابط