رواية العهد الملعون بقلم اسماء ندا الفصل الثاني

لمحة نيوز

الفصل الثاني عهد الدم
في اليوم التالي بدت القرية وكأنها تخفي سرا ثقيلا تحت ترابها. الشمس ارتفعت حارقة كعادتها تصبغ الجدران الطينية بلون أصفر باهت والناس تمضي في أشغالها بلا اكتراث لكن قلب سالم كان يشتعل قلقا.
كلما نظر في عيون جيرانه أحس أنهم يعرفون كأن أحدهم لمح الباب المطمور في ساحته أو سمع الهمس الذي لم يفارقه منذ تلك الليلة.
ظل اليوم كله يتفادى العيون يهرب من الأسئلة حتى زوجته لم تفهم سر شروده. وحين حل الليل لم يتأخر عن موعده. تسلل إلى بيت الشيخ بدر مرة أخرى لكن هذه المرة لم يكن وحيدا وجد في الفناء رجلين غريبي الملامح جالسين قرب الشيخ كأنهما ينتظران إشارة.
رفع الشيخ بدر رأسه وقد بدا أكثر غموضا تحت ضوء القنديل الخافت. كان يرتدي جلبابا أسود واسعا تتدلى من رقبته سبحة من خرز داكن وفي يده عصا غليظة محروقة الأطراف.
قال بصوته المبحوح
أهلا بيك يا سالم. كنت مستنيك.
جلس سالم مترددا ينظر إلى الرجلين الآخرين لكن الشيخ قطع صمته
دول رجالتي. عارفين كل حاجة. اللي جوه المقبرة محتاج ناس أقوياء عشان يطلعوه. وإنت لوحدك مش هتعرف.
ابتلع سالم ريقه ثم قال
أنا موافق بس نتفق. اللي هيطلع نقسمه.
ابتسم الشيخ بدر ابتسامة باردة وقال
القسمة لسه بدرى عليها. الأول نفتح الباب ونقدم القربان.
انقبض قلب سالم عند سماع الكلمة. ظل ساكتا يحاول أن يبعد فكرة الطفل عن رأسه لكن الشيخ بدر مد يده ببطء إلى جرة فخارية صغيرة بجانبه وأخرج منها ورقة قديمة عليها نقوش فرعونية باهتة. فردها أمامهم وقال
دي وصية الكهنة زمان. بيقولوا إن روح الحارس ما بتنامش إلا لو شربت دم طفل يتيم تحت ضوء القمر الكامل. غير كده أي حد يحاول يفتح المقبرة مصيره الموت.
سكت الشيخ لحظة ثم أضاف
تلات ليال من دلوقتي القمر هيبقى في النص. لازم نجهز.
شعر سالم أن العرق يتصبب من جبينه.
قال بارتباك
بس هنجيب طفل منين
ابتسم الشيخ بدر تلك الابتسامة التي لا تطمئن أحدا وقال
إنت عارف. إنت اللي هتجيب.
ظل سالم طوال الليل يتقلب في فراشه وصوت الشيخ يرن في أذنه إنت اللي هتجيب.
عقله يقاوم قلبه يتألم لكنه في النهاية لم يجد أمامه إلا فكرة واحدة ابن أخيه المتوفى.
الطفل الصغير الذي تعبت جدته في تربيته بعد موت والديه. بريء يتيم لا أحد في القرية يهتم به كثيرا.
في اليوم التالي ظل سالم يراقب الطفل من بعيد يراه يلعب في التراب أمام بيت جدته يضحك بصوت بريء يركض وراء دجاجة صغيرة. لحظة نظرته إليه كسرت قلبه لكن الطمع شده من الداخل كأفعى تلف حول عنقه.
مع اقتراب الليل الثاني اجتمع سالم بالشيخ بدر ورجاله في الساحة. القمر بدأ يكتمل يرسل ضوءا باهتا كالشبح. الشيخ بدر وضع دائرة من الرماد الأسود على الأرض وغرس عصاه في منتصفها وبدأ يردد كلمات غريبة بلغة لا يفهمها سالم.
صوت الريح تعالت فجأة والكلب في آخر الزقاق بدأ يعوي بجنون.
قال الشيخ بدر بصوت جهوري
تلات ليال يا سالم. في الليلة التالتة هنفتح الباب.
تراجع سالم خطوة وهو يشعر أن الأرض ترتجف تحت قدميه. حاول أن يتكلم لكنه فقد صوته.
في تلك اللحظة أدرك أن لا عودة. لقد دخل في عهد الدم عهد لا يكسر إلا بالموت.
عاد سالم إلى بيته تلك الليلة مكسور العينين. زوجته سألته عن سر شروده لكنه دفعها بعنف وصاح
ما تدخليش في اللي ماليش مزاج!
نامت وهي تبكي بصمت أما هو فجلس أمام الباب ينظر إلى القمر كأنه يراه لأول مرة كعين معلقة في السماء تراقب خطاياه.
ومع الفجر كان قد حسم أمره. بعد ليلتين سيأخذ الطفل وسيقدمه قربانا.

تم نسخ الرابط