رواية العهد بقلم اسماء ندا الفصل الاول

لمحة نيوز

الفصل الأول: الهمس تحت الأرض

كانت القرية نائمة على كتف الصحراء، بيوتها الطينية مصطفّة كأسرار صامتة، يكسوها الغبار الذي تحمله الريح من قلب الجبال البعيدة. الليل في الصعيد له طعم آخر، ليس مجرد ظلام، بل حضور كثيف للجنّ والأرواح، يملأ الأزقة الضيقة بالهمس، وتُقسم النساء أنهن يرين أعينًا تتلألأ من خلف الجدران، وأشكالاً سوداء تختفي عند الفجر.

في هذا الليل، كان سالم يجلس أمام بيته الطيني، يراقب السماء المثقلة بالنجوم. رجل في منتصف الثلاثينات، ملامحه غائرة كأرضٍ عطشى، عيناه متعبتان من الفقر والخذلان. ورث قطعة الأرض الصغيرة عن أبيه، ولم يجد فيها سوى بيتٍ ضيق وساحة مهجورة، لكن تلك الساحة كانت بالنسبة له كنزًا مؤجلاً… فقد خطرت له فكرة أن يحفر فيها خندقًا تحت الأرض ليخزن سلاحًا يجلب له بعض المال من تجار السوق السوداء.

لم يكن سالم رجلاً مؤمناً بالخرافات، لكنه نشأ وسطها. تربّى على سماع حكايات عن مقابر الفراعنة التي تحرسها أرواح لا ترحم، وعن "القرابين" التي تُقدَّم لتلك الأرواح لتسمح بفتح أبواب الذهب. كان يبتسم ساخرًا كلما ذكر أحدهم تلك الحكايات، لكنه لم يكن يعلم أن سخرية الليلة ستتحول إلى كابوس يتربص به من جوف الأرض.

بدأ سالم الحفر في صمت. الليل ثقيل، والقرية غارقة في نوم عميق. كلما نزل بالفأس في التراب شعر أن الأرض تقاومه. وبعد ساعات من الجهد، اصطدمت ضرباته بجدار صلب. مسح العرق عن جبينه، وظن في البداية أنه حجر ضخم، لكن حين أزال التراب حوله، تبيّن أنها كتلة من الصخر المنحوت، يعلوها نقش غريب بالكاد يُرى في العتمة.

اقترب أكثر، وراح يتحسس بيده الخشنة تلك النقوش. دوائر متداخلة، أجنحة طائر، ووجوه بشرية غامضة. كان قلبه يخفق بقوة، وعيناه تلمعان بما يشبه الطمع. هنا، تحت قدميه، باب لمقبرة فرعونية.

جلس سالم على الأرض، يلهث من المفاجأة. في داخله صراع؛ جزء منه يصرخ بالرهبة، والجزء الآخر يهمس: الذهب… التماثيل… الكنوز. تذكّر فجأة حكاية قديمة كان جده يرويها: "اللي يلاقي باب مقبرة وما يقدّمش قربان، عمره ما يفتحها… ولو حاول، المقبرة تبتلعه."

ضحك سالم في سره، لكنه لم يستطع أن يزيح ذلك الخوف الصغير الذي دبّ في قلبه. حاول أن يفتح الباب بيديه، دفعه بكل قوته، لكنه لم يتحرك قيد أنملة. جرّب أن يطرق عليه بفأسه، فصدر صوت مكتوم، كأن الأرض نفسها حذّرته أن يتوقف.

وقف سالم مرتبكًا، يتلفت حوله وكأن الليل يراقبه. ثم غطى الباب بالتراب مؤقتًا، وعاد إلى بيته متثاقلاً. لكن عينيه لم تعرفا النوم تلك الليلة. كلما أغمض جفنيه، تراءى له وجه طائر ضخم يحدّق فيه من العتمة.

مع طلوع الفجر، كان سالم قد اتخذ قراره. لن يستطيع وحده فتح المقبرة، لكنه يعرف الرجل المناسب… الشيخ بدر، كبير الحفارين في القرية. رجل عجوز تجاوز الستين، خبر المقابر والأنفاق، ويعرف أسرار التعاويذ والرموز، ويُقسم الناس أنه رأى الموت بعينيه أكثر من مرة.

قضى سالم نهاره مشتتًا، يخشى أن ينكشف سره. كان يرى في وجوه جيرانه نظرات شك، وكأنهم يقرأون ما أخفاه تحت التراب. وعند حلول الليل، تسلل إلى بيت الشيخ بدر.

في فناء البيت، كان الشيخ يجلس على حصير قديم، يدخن غليونه، وعيناه كجمرتين في وجهٍ غامض. حين رآه، ابتسم بسخرية وقال:
– "مالك يا سالم؟ جاي لي في نص الليل زي الحرامية؟"

جلس سالم أمامه متردداً، ثم قال بصوتٍ خافت:
– "لقيت… حاجة. حاجة كبيرة."
– "إنت دايمًا بتلاقي وجع الدماغ. قول يا واد، إيه اللي لقيته؟"
– "باب… تحت أرضي. باب مقبرة."

ساد الصمت. الشيخ نفث دخان غليونه ببطء، وعيناه تحدّقان في الظلام، كأنه يسمع شيئًا بعيدًا. ثم قال ببطء:
– "باب المقبرة ما يتفتحش بالقوة يا سالم. له مفتاحه… وله قربانه."
ارتعش سالم: "إنت قصدك إيه؟"
ابتسم الشيخ بدر ابتسامة غامضة وقال:
– "القمر هيوصل للنص بعد تلات ليالٍ. ساعتها يتفتح الباب لو قدّمنا قربان."
– "وقربان إيه ده؟"
خفض الشيخ صوته حتى صار همسًا يشبه صفير الريح:
– "دم طفل… يتيم."

ارتجف سالم للحظة، لكنه سرعان ما ابتلع تردده. الطمع في الكنوز كان قد بدأ يبتلع قلبه. قال بتردد:
– "ولو عملنا كده… اللي هنلاقيه جوه نقسمه بالنص."
ضحك الشيخ بدر ضحكة قصيرة وقال:
– "النص؟ ماشي يا سالم… بس تجهّز الطفل."

تركه سالم وخرج، والليل يطبق على صدره. لأول مرة شعر أنه مراقب… كأن عيونًا خفية تلاحقه من كل جدار، من كل ظل. لكن مع ذلك، كان داخله صوت آخر يهمس: "خطوة واحدة بس بينك وبين الغِنى… خطوة واحدة وتبقى سيد القرية."

أما الأرض، فقد ابتلعت سرها في صمت، تنتظر القمر ليكتمل.

تم نسخ الرابط