رواية ايفيلين بقلم اسماء ندا الفصل ٣٢
الفصل ٣٢
(عند ايفلين )
"أنا هموت."
الفكرة دي ارتسمت جوايا بوضوح… والمفاجأة إني مش خايفة،
لأ… خلاص، الخوف اختفى، لما الميّه الباردة غمرت صوابع رجلي ولمست كواحلّي، كنت مرعوبة، ده ماكانش المفروض يبقى مصيري.
كنت متصوّرة حياتي أبسط من كده، أشتغل بضمير في الموتيل، أسدد ديوني من الكريدت كارد، وأكمل عادي زي أي واحدة… أكبر همومي يبقى ضريبة آخر السنة أو إني أسيب شمعة منوّرة وأنا خارجة من الاوضة، مش كده… مش جريمة وعصابات ومافيا وقتل وخيانة ومجانين إيطاليين مش راضيين بفكرة "لأ".
ساعتها، لما ورّطت نوح يخش في خناق مع كورماك… حسّيت إنها ضربة معلمة، كنت متأكدة إن كورماك مش هيتهز من عيل هزيل زيه، وهيخلص عليه في لحظتين، وبعدها يعرف مكاني وييجي ينقذني.
فضلت أعيد السيناريو ده في دماغي… وأنا بشوف الميّه بتتسلل ببطء لحد ما غمرت ساقي وخدّرت رجلي،لكن رغم بطء السيلان… سرعة الخزان وهو بيتملي كانت مرعبة.
في لحظة كنت فاكرة الموضوع هياخد ساعات… وفجأة الميّه غمرت حضني كل ما أتحرك، وضيّعت الإحساس بالوقت، نوح مشي من قد إيه؟ ماعدتش عارفة.
اتخبطت زي الحيوان الماسك في فخ، حاولت أتحرر، لكن أول ما القيود اللي على إيديا غطست في الميّه… عرفت إن مفيش أمل، دلوقتي… الميّه بتتزحف على بطني، وسكينة غريبة بتنزل في قلبي، أنا هموت هنا، ماحسبتش حساب إصابات كورماك بعد الحادث… يمكن لسه ما فاقش، ولو نوح راح له، أكيد "سيان" هيبقى موجود يوقفه… يمكن هو أملي الأخير.
إلّا لو سايرشا ماتت، يمكن سيان نفسه مش عايش، سايرشا قالت إنهم واجهوا صعوبة يدخلوا رجال المستشفى، أي حاجة ممكن تحصل دلوقتي، جسمي بيتخدر بالدقايق… أو بالساعات؟
ماعدتش عارفة، يمكن نوح بيجري ورا وهم دلوقتي، وأنا السبب، أنا اللي ضحكت عليه… وأنا اللي اتحبست هنا، قد إيه جنون إني أتمنى خاطفي يرجع دلوقتي بس عشان يطلّعني من هنا! وأمي… يا ترى هتفكر إيه؟ لو عمري ما اتلاقي… هتبص للموضوع كإني اختفيت، هتقول للناس )ماهي دايمًا كده… بتهرب من المسؤولية.)
مش هتبكي. هتتصرف كأنها متوقعة النتيجة دي مني، بينما الحقيقة… إني غرقت في خزان ميّه وسخ، يا ريت كورماك كان هنا، يا ريت كنت أشوفه مرّة أخيرة.
سخونة دموعي بتسري في أطراف عيني، بغمّض وأغرق في ذكريات المزرعة وركوب الحصان، عمري ما حسيت إن حياتي مليانة دفء وحب زي اللحظات دي، كلودا استقبلتني كأني واحدة من ولادها، الأكل كان لذيذ، الحيوانات كانت تخطف القلب، حتى الخيول شكلها كان كيوت زي الرسوم المتحركة.
ولو كنت عشت… كان نفسي أركب واحد منهم تاني، وكورماك… بابتسامته المايلة، وتجاعيد جبينه اللي مش بيفارقها العبوس، وضحكته العميقة، وحضنه القوي اللي رغم شدته كان مليان حنان… زي ما يكون شايفني أثمن وأغلى حاجة قابلها في حياته، أنا بحبّه، الكلمة دي ضربتني في نص صدري وأنا حاسة الميّه وصلت تحت صدري، بحبّه… وهو عمره ما هيعرف.
بحاول أخدع نفسي… أقول إن الميّه مش ساقعة، دي دافية، إن رجلي مش متخدّرة عشان الغرق… لكن عشان ملفوفة في كورماك ، وإن إيديا مش مربوطة… لكن ماسكة إيده، الأسابيع اللي فاتت دي… كانت دوّامة مجنونة، أروع وأغرب أيام عشتها في حياتي.
أيوه، ابتدت بكابوس… لكن في الآخر رمتني في حياة كورماك، كان غلس، مراقبني طول الوقت… بس في الآخر، هو اللي حماني، وسدّد ديواني من الكريدت كارد، عمري ما سألت حتى الفلوس دي راحت فين بعد ما اتطعنت… بس غالبًا ديني اتقفل.
اداني فرصة أعيش تاني… وخلاني أعمل حاجات ماكنتش أتخيّل يومًا إني أقدر أعملها، حتى وأنا بخالف القانون… ماقدرش أنكر إن كان فيه متعة خفية.
لو ضغطت على قلبي أوي، أقدر لسه أشم ريحة عيش كلودا وهو بيستوي في الفرن، وأحس بحرارة شمس المزرعة على وشي، كان لازم أقولهم… أقولهم قد إيه فرّحوني، أقولهم شكراً إني عرفتهم، وكان لازم أقول لكورماك… أقول له اللي جوايا، قبل الحادثة ما تفرقنا.
كل بوصة بتغمرها الميّه دلوقتي… بتمسح دعوات النجاة اللي فضّلت أتمسك بيها، وبتحط مكانها استسلام مؤلم… إن نهايتي هنا،من غير ما حد يعرف.
الميّه وصلت لحد دقني… أخدت نفس عميق موجوع.
"هو ده آخر المشوار."